ابن حزم
801
الاحكام
المخبر له عن الوقت والقبلة - إذ وقع به تصديقه - أمر قد قام الدليل على صحته ، بل أكثر هذه الأمور توجب العلم الضروري بالجبلة ، وبطل أن يكون ما ذكروا تقليدا ، واحتج بعضهم بقول الله تعالى : * ( واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) * . قال أبو محمد : وهذا من القحة ما هو ! لان الشئ الذي يأمر به الله ليس تقليدا ، ولكنه برهان ضروري ، والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا عز وجل باتباعه . وإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يأمرنا ربنا باتباعه ، بلا دليل يصحح قوله ، لكن فلانا قاله فقط ، فهذا هو الذي يبطل ، ولكن من لا يتقي الله عز وجل - ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل ، وأراد استدامة سوقه ، ولا يبالي إلى ما أداه ذلك - أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم التقليد ، فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليدا ، وسمى الاجماع تقليدا وسمى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم عليه السلام تقليدا . فإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح ، لقيام النص بوجوبها ، وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل ، وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي ، لأنهم غير إبراهيم المأمور باتباعه ، ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين ، وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشا ، وسمى الكبش خنزيرا فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش . وكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي صلى الله عليه وسلم بغير دليل ، ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه ، ولا نلتفت إلى من مزج الأسماء ، فسمى الحق تقليدا ، وسمى الباطل اتباعا ، وقد بينا قبل وبعد أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس - وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم - فمن قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها . ولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني ، وتخصيصها بالأسماء المخلفة ، فإن وجدنا في اللغة اسما مشتركا حققنا المعاني التي تقع تحته ، وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني ، حتى يلوح البيان ، فيهلك من هلك